الانتخابات الفرنسية.. كاريزما المرشحين تغيب وشبح الإرهاب يحضر

23 أبريل 2017 - 11:44 م

لاحظ جل المتتبعين للشأن الفرنسي دقة الأجواء العامة التي تجري فيها الانتخابات الرئاسية الفرنسية، وسط تراجع مثير لمرشحي الاحزاب السياسية التقليدية اليمينية واليسارية وصعود زعيمة اليمين المتطرف وزعماء جدد لا يدخلون في خانة زعماء الأحزاب الفرنسية التقليدية؛ وهو ما سيعطى لهذه الانتخابات طعما خاصا في ظل سياق فرنسي وإقليمي ودولي غير متوازن.

سياق الانتخابات الرئاسية الفرنسية

تنظم هاته الانتخابات في سياق دقيق دستوريا وصعب سياسيا ومأزوم اجتماعيا وأمنيا.

دستوريا، تطرح أجواء الانتخابات الرئاسية الفرنسية بداية التفكير في التوجه نحو الجمهورية الفرنسية السادسة، لكون دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة لسنة 1958 لم يعد يستجيب لعدد من التطلعات والتحديات التي تعرفها فرنسا.

سياسيا، قرار الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عدم ترشحه للمرة الثانية مثل استثناء في دستور الجمهورية الفرنسية وسط دخول الاتحاد الأوروبي إلى أزمة حقيقة بعد الاستفتاء البريطاني لمغادرة الاتحاد الأوروبي.

اجتماعيا، ظهور أزمة اجتماعية وهوياتية بدأت تنخر المجتمع الفرنسي زاد من حدتها تأزيم الأوضاع الاقتصادية.

أمنيا، تزايد العمليات الارهابية داخل فرنسا وأوروبا مع تزايد ظاهرة الهجرة اتجاه أوروبا والعملية الإرهابية التي هزت الشاليزيه بباريز يومين على انطلاق عملية التصويت أعادت فعالية المقاربة الفرنسية إلى المواجهة وسط تبادل الاتهامات بين المرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية.

انتخابات وسط تراجع مثير للأحزاب الفرنسية التقليدية

لاحظ الكل تراجع الأحزاب التقليدية الفرنسية بيسارها وبمينها أمام صعود زعماء سياسيين جدد؛ على رأسهم المرشحة ماري لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة، والمرشح المستقل إيمانويل ماكرون، وزير الاقتصاد السابق في حكومة الرئيس الاشتراكي فرانسوا هولاند، حيث تؤكد جل التوقعات إمكانية تأهل كل من ماري لوبان وإيمانويل ماكرون للدور الثاني في ظل غياب لمرشحي الأحزاب اليمينية واليسارية الفرنسية التقليدية – لأول مرة – مما يوحي بإمكانية حدوث زلزال سياسي بدستور الجمهورية الفرنسية الخامسة منذ 1958.

إجراء الانتخابات على إيقاع العمليات الإرهابية

الأكيد هو أن الانتخابات الرئيسية ستنظم تحت مراقبة أمنية مشددة، خصوصا بعد هجوم الشاليزيه الذي حدث يومين على انطلاق تصويت الفرنسيين؛ وهو ما جعل الفرنسيون يعيدون المقاربة الأمنية للجمهورية الفرنسية إلى الواجهة، ويمكن أن لا يشجعهم للتوجه نحو صناديق الاقتراع.

انتخابات رئاسية بدون طعم سياسي

تجري حملة الانتخابات الرئاسية الفرنسية بدون طعم سياسي جذاب لأسباب متعددة؛ منها: غياب مرشحين كارزماتيين حولهم إجماع ولهم برامج انتخابية جذابة بطعم سياسي. وهذا ما يلاحظ في البرامج الانتخابية للمرشحين، حيث هيمنة الشعارات الشعبوية والسياسوية ذات البعد البراكماتي الضيق وسط أيّ اهتمام للرأي العام الفرنسي بأجندة هاته الانتخابات الرئاسية بعد فقدانه الثقة في الأحزاب السياسية الفرنسية وتفاقم الفساد الأخلاقي والمالي والسياسي عند قياداتها.

الانتخابات الرئاسية وظاهرة زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة

تأهل ماري لوبن إلى الدور الأول من السباق نحو الانتخابات الرئاسية الفرنسية، ولما لا إلى الدور الثاني، يعد مؤشرا له دلالات عميقة على أن هناك خللا في دستور الجمهورية الفرنسية؛ وهو ما يوحي بإمكانية حدوث زلزال سياسي بفرنسا، سيفرض على كل مرشحي باقي الاحزاب الفرنسية التكتل ضد ماري لوبان رغم طبيعة النظام الانتخابي الفرنسي الذي يعرقل وصول مرشحي الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية. وهذا من مميزات النظام الانتخابي في دورتين الذي يفتح إمكانية قيم تحالفات بين مرشح أحزاب اليمين واليسار ضد مرشحة اليمين المتطرف. وهذا ما يراهن عليه إيمانويل ماكرون في حالة تأهله إلى الدور الثاني مع ماري لوبان.

والأكيد أن كل الأنظار ستتجه بعد الدور الأول نحو مواقف مانويل فالس وبينوا هامون عن اليسار، وفرانسوا فيون عن اليمين؛ وهو ما يمكن أن يستفيد منه ماكرون بشكل كبير في حالة تأهله إلى الدور الثاني.

استطلاعات الرأي وحظوظ المرشحين والاحتمالات الممكنة

يصوّت الناخبون الفرنسيون، الأحد 23 أبريل، على المرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية والتي تعد أكثر الانتخابات الرئاسية الفرنسية أثارة وغير متوقعة النتائج في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة.

تجري الانتخابات الرئاسية الفرنسية في سباق ساخن بين المرشحين، خصوصا بعد صدور اللائحة الرسمية في 18 مارس 2017. وحسب المراقبين، ستحد المنافسة بين مرشح اليمين فرانسوا فيون وبين مرشحة اليمين المتطرف ماري لوبان التي يتوقع لها البعض المرور إلى الدور الثاني وبين المرشح المستقل إمانويل ماكرون المرشح المستقل ومرشح جبهة اليسار جان لوك ميلانشون.

وحسب عدد من استطلاعات الرأي ومقاربات المحللين، يبقى المرشح الوسطي المستقل إيمانويل ماكرون هو الأوفر حظا في الدورين الأول والثاني مقارنة بينه وبين باقي منافسيه، وهم مارين لوبان من اليمين المتطرف وفرانسوا فيون من التيار المحافظ وجان لوك ميلينشون من اليسار المتطرف.

ويتوقع المراقبون بأن مال الانتخابات الرئاسية الفرنسية لن تخرج عن الاحتمالات التالية:

الاحتمال الأول مواجهة بين إيمانويل ماكرون وماري لوبان:

وصول ماكرون ولوبن إلى الدور الثاني في الانتخابات الرئاسية الفرنسية على حساب زعماء اليسار واليمين الفرنسي وغياب أيّ ممثل للأحزاب التقليدية الفرنسية التي حكمت من سنة 1958 يعد ثورة سياسية ويوحي بحدوث تحولات جذرية في المشهد السياسي الفرنسي؛ وهو ما سيجعل من انتخابات الدور الثاني أكثر تشويقا وأكثر إثارة نتيجة تأهل رمزين سياسيين إلى الدور الثاني: إيمانويل ماكرون (39 عاما) الوسطي المؤيد للبقاء في الاتحاد الأوروبي، والقاهر لمرشحي اليسار واليمين، وماري لوبان (48 عاما) التي تطمح إلى أن تصبح أول امرأة تصل لرئاسة الجمهورية الخامسة مما يؤهلها بأن تخرج فرنسا من إطار دستور الجمهورية الخامسة نحو دستور جديد هو دستور الجمهورية السادسة.

الاحتمال الثاني مواجهة بين فرانسوا فيون وبين ماري لوبان: ويعد ثاني احتمال ممكن الحدوث يوم الأحد. ونشير إلى أنه كان من أقوى الاحتمالات في الشهور الأخيرة؛ لكن فضائح زوجة فيون 63 عاما جعلت حظوظه للتأهل إلى الدور الثاني في تقلص مستمر؛ غير أن حظوظه تبقى قوية ما غفر له مناضلو ومناضلات المحافظين فضائح زوجته، لكن امكانية انتصار فرانسوا فيون على ماري لوبان في الدور الثاني يبقى احتمالا محدود الوقوع دون دعم إيمانويل ماكرون.

الاحتمال الثالث مواجهة بين إمانويل ماكرون وفرانسوا فيون:

وهذا الاحتمال صعب التحقق؛ لكنه غير مستحيل لأنه يتطلب إقصاء ماري لوبن في الدور الأول، في هذه الحالة ستتخذ المواجهة اتجاها آخر ستتقوى فيه حظوظ إيمانويل ماكرون للفوز برئاسة قصر الإليزي. وهذا ما تشير إليه استطلاعات الرأي في إمكانية هزم ماكرون فيون في الجولة الثانية.

الاحتمال الرابع مواجهة بين جان لوك ميلانشون ماري لوبان:

وهو احتمال ضعيف الاحتمال، وإن حدث سيكون أكبر مفاجأة، حيث ستكون المواجهة بين أكبر السياسيين الرافضين لبقاء فرنسا بالاتحاد الأوروبي. وتشير كل الاستطلاعات إلى أنه في حالة وصول ميلانشون إلى الجولة الثانية فإن ميلانشون البالغ من العمر 65 يمكن أن يهزم لوبان شريطة حصوله على دعم أحزاب اليسار والوسط الفرنسيين.

الاحتمال الخامس مواجهة بين جان لوك ميلانشون وبين إمانويل ماكرون:

حدوث هذا الاحتمال يبقى صعبا؛ لكنه سيكون لصالح الأخير، الذي يمكنه الانتصار بسهولة على خصمه.

الاحتمال السادس مواجهة بين جان لوك ميلانشون وبين فرانسوا فيون:

احتمال ضعيف التحقق لأنه يشترط إقصاء مرشحين أقوياء في الدور الأول؛ وفي مقدمتهم ماري لوبان وإيمانويل، وسيكون هذا الاحتمال لصالح فرانسوا فيون.

تأثير الجالية العربية والمسلمة في الانتخابات الرئاسة الفرنسية: تؤكد كل الدراسات أن مشاركة الجالية العربية والإسلامية بفرنسا في الانتخابات الرئاسية سيكون مؤثرا – بالرغم من غياب توحيد المواقف والرؤى – بكونها تمثل كتلة ناخبة مؤثرة، فعددا يتجاوز ستة ملايين مسلم.

وبالمناسبة، نشير إلى أن كل المرشحين للرئاسة الفرنسية، باستثناء مارين لوبين، قد اجتمعوا بقادة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية ومطالبته المشاركة المكثفة في الانتخابات لقطع الطريق أمام الأحزاب اليمينية المتطرفة والعنصرية أو من يريد استغلال الإسلام في حملاته الانتخابية.

وحسب الإحصاءات والدراسات الفرنسية، فغالبية الجالية المسلمة والعربية كانت غالباً تصوت لصالح اليسار؛ غير أنها شعرت بكثير من الغبن من ولاية الرئيس اليساري الحالي فرانسوا هولاند. لذلك، ينتظر الرأي العام الفرنسي خيار تصويت الجالية المسلمة العربية في انتخابات 2017 التي يغيب فيها مرشح قوي من الحزب الاشتراكي الفرنسي، بالرغم الظروف القاسية التي تمر بها الجالية بفرنسا.

ونشير إلى أن كل مشاركة الجالية المسلمة والعربية تبقى مشروطة بقناعة هاته الجالية. أما عن الاحتمالات سابقة الذكر المتعلقة تبقى واردة شريطة عدم حصول أيّ مرشح من المرشحين 11 على 50 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى؛ وهو ما سيقرض على الناخبين الفرنسيين موعدا انتخابيا في الدور الثاني ستبقى فيه نسبة المشاركة عاملا حاسما لهذا المرشح أو ذاك في ظل مراقبة أمنية مشددة ورهانات انتخابية رئاسية دون دعم سياسي مع الرهان على مرور إيمانويل ماكرون إلى الدور الثاني وإمكانية وصوله إلى رئاسة فرنسا.

ميلود بلقاضي

*جامعة محمد الخامس/الرباط

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .