عرض كتاب محمد الشرقاوي.. الصحراء: روابط اجتماعية ورهانات جيوستراتيجية

mustapha mess
2021-03-22T02:16:32+00:00
كتاب الرأي
18 فبراير 2021
عرض كتاب محمد الشرقاوي.. الصحراء: روابط اجتماعية ورهانات جيوستراتيجية
ذ.محمد بنعزيز 

ذ.محمد بنعزيز 

جمل بارزة

– النخب الصناعية والمالية تفضل خلق الثروات، بينما تفضل النخب العسكرية الحاكمة الحرب 

– إذا بترت الصحراء من المغرب سيفقد قدرته الإستراتيجية على المساهمة في السلام والتوازن بالشرق الأوسط الكبير

– لم تعد الولايات المتحدة تعتبر المغرب العربي منطقة نفوذ أوروبي

– ساكنة الصحراء ليست هوية مستقلة بل جزء من مجتمع كبير تميزه خصوصيات حسب  المناطق

 

“بدون صحراء، تاريخ المغرب غير مفهوم، بدون مغرب، الصحراء مجرد خلاء”. هذه هي الأطروحة التي يعمل أستاذ مناهج التحليل السوسيولوجي محمد الشرقاوي على إثباتها من خلال أولا وضع مشكل الصحراء في سياقه الإقليمي والدولي وإبراز إستراتيجية الهيمنة لدى حكام الجزائر. ثانيا إبراز عمق الروابط بين الصحراويين وباقي الشعب المغربي، من خلال التعليم والزواج والاستثمار. وقد استخدم الكاتب البرهان بالخلف، في جل كتابه، ليبرز مخاطر المساس بجوهر تلك الأطروحة.

خصص الكاتب القسم الأول من الكتاب لمناقشة الرهانات الجيوستراتيجية لمشكل الصحراء، وقد بدأ بتحليل سباق التسلح وتوازن القوى في المغرب العربي وأثره على المستقبل الجيوستراتيجي للشرق الأوسط الكبير.

حسب منتسكيو  فإن سباق التسلح هو مرض لن يقود إلا إلى التدمير الذاتي، هذا درس يجب أن تأخذه دول المغرب العربي في الحسبان، لكن الواقع خلاف ذلك، فالجزائر تتسلح من جديد، تشتري أسلحة ثقيلة مستفيدة من ارتفاع أسعار النفط، وهناك علامات على تسلح نووي جزائري: – قوة مفاعل “السلام” الجزائري ويمكن أن ينتج أسلحة نووية، هذا أمر أشارت إليه مخابرات أمريكية وإسبانية ومراكز دراسات وكذلك هيئة أركان الجيش الفرنسي – كبر مساحة الجزائر وصعوبة مراقبة أنشطتها النووية – زيارة عدد من المسئولين الإيرانيين للجزائر ووجود مساعدات إيرانية للجزائر في المجال النووي – لم توقع الجزائر على بروتوكول يسمح للوكالة الدولية للطاقة النووية بالقيام بزيارات مفاجئة للمنشآت النووية الجزائري – لم توقع الجزائر على معاهدة مراقبة تكنولوجيا الصواريخ…ص12.

هذه مؤشرات مقلقة للمغرب، وهو مضطر ليجاري على صعيد التسلح، ومع ذلك تدعي الجزائر أنها تريد استخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية، يعلق الكاتب أن هذا صحيح في حالة الهند، أما إيران والجزائر فلديهما نفط و غاز. إذا لم تكن الطاقة هي السبب، فلماذا تتسلح الجزائر؟

يجيب الشرقاوي “إنها تتسلح من أجل الهيمنة”، فمنذ الاستقلال وهي تخطط لتكون الدولة الأقوى في المنطقة، وقد رفضت إرجاع أراضي تونسية ومغربية، فقد كانت مساحة الجزائر عند احتلالها عام 1830 حوالي 300ألف كلم مربع، وأصبحت 575ألف كلم مربع في 1920، وبلغت مليونين و400ألف كلم مربع يوم الاستقلال في 1962، وطيلة تلك المدة، خسر المغرب توات وتيديكيت وكورارة  وتندوف وقد خلد التاريخ حدث مقتل 500 مغربي في هجوم فرنسي عام 1900على توات…

بداية الستينات، تلقى المغرب وتونس وعودا بتسوية الأمر، فبالنسبة لتونس، بدأت الجزائر باستغلال بئر نفطي حدودي قبل ترسيم الحدود، وقد كان التونسيون بحاجة للغاز، فقدمت الجزائر لتونس طعما اقتصاديا لترسيم الحدود مقابل حصول تونس على الغاز بثمن الكلفة شرط سماحها بمرور أنبوب ينقل الغاز إلى إيطاليا، وبالفعل وقع التونسيون على ترسيم الحدود كما ورثوها عن الاستعمار، بعد هذا المكسب راجعت الجزائر سعر الغاز الذي تحصل عليه تونس.

أما بالنسبة للمغرب، فقد رفض الملك محمد الخامس بشهامة مناقشة الحدود مع فرنسا أثناء حرب تحرير الجزائر، وفي 1961 أقر فرحات عباس (أول رئيس للحكومة الجزائرية المؤقتة) كتابة بأن الحدود الجزائرية الموروثة عن الاستعمار لن تفرض على المغرب، عارض الجيش الجزائري الاعتراف وأزيح عباس من منصبه، واندلعت حرب الرمال، بعد ذلك وعد الرئيس أحمد بن بلا في قمة القاهرة 1964 بالتوافق على الحدود، وفي 1965 أطيح به وتولى العقيد هواري بومدين الرئاسة ومنذ ذلك تعسكرت السياسة الجزائرية تماما.

أصبح هدف قادة الجزائر هو تقزيم دور المغرب، اقترح بومدين الوحدة على معمر القذافي، دعم معارضي الحسن الثاني بالمال والسلاح، وقد بدا له مع المحاولتين الانقلابيتين 1971-1972 أن المغرب ضعيف، بعد ذلك دعمت الجزائر جبهة البوليساريو ماليا ودبلوماسيا وحتى عسكريا، إذ قاتل الجيش الجزائري إلى جانب البوليساريو في معركة أمغالا. بالإضافة إلى هذا، دخلت الجزائر في مشاريع تصنيع فرعونية، عبر شراء مصانع كاملة، مشاريع ضخمة فاشلة، هدفها العظمة وإرادة القوة والتوسع للسيطرة على شعوب المنطقة، دون أن يكون لهذه السيطرة أي مشروع أو عمق ثقافي.
ويلاحظ الكاتب أن سقوط الأنظمة الشيوعية ونهاية نظام القطبين لم يغير من سياسة الجزائر تجاه المغرب، لأن لفظ التعاون معدوم في معجم قادة الجزائر، وبلدهم مثل الاتحاد السوفياتي وعراق صدام حسين، يوجه عائداته النفطية لشراء وصيانة الأسلحة… ورغم انهيار الاشتراكية وفشل المشاريع الفرعونية وبدء القلاقل في الجزائر، لم تتغير سياسة قادة الجزائر، وإن استبدلوا معجم الاشتراكية بمعجم محاربة الإرهاب.

بعد هذا العرض يتساءل الكاتب: كيف نفهم ونفسر جمود تعامل قادة الجزائر مع جيرانهم؟ كيف نفسر توجيه كل طاقة الاقتصاد الجزائري للتسليح؟

يعتبر فلاسفة عصر الأنوار أن الدول الحديثة مضطرة للاختيار بين أمرين: إما التجارة أو الحرب. ويوضح الكاتب أن الدول التي تحكمها نخب صناعية مالية تفضل العمل والإبداع وخلق الثروات، بينما تفضل النخب العسكرية الحاكمة الحرب على الإنتاج، وينفي الكاتب ادعاءات الماركسيين القائلة بأن جوهر الرأسمالية يقود إلى الحرب، ويرد عليهم قائلا أن العقلية ما قبل الرأسمالية هي التي تقود إلى الحرب.

ينطبق هذا على الجزائر التي تحكمها نخبة عسكرية، لذا مرت الجزائر من يد رجال أقوياء مثل بلعيد عبد السلام في عهد الهواري بومدين، العربي بلخير في عهد الشادلي بن جديد وخالد نزار بعد 1992… إلى حين عودة العربي بلخير إلى منصب مدير ديوان الرئيس بعد 1999، وقد كانت له سلطات كبيرة… خلال كل هذه الفترة كانت السيطرة للجيش على السياسة والاقتصاد، جيش يستخدم الحكومة كواجهة، جيش يحتكر الشرعية باسم الشعب، لكن لا يثق فيه، بدليل حالة الطوارئ المزمنة في البلاد، جيش لا يتصرف كمجموعة ضغط، بل كصاحب سلطة مطلقة لا معادل لها، جيش تسيطر عليه نخبة صغيرة عشائرية، مما يعرض البلاد للعنف والفساد، لذا لدى الجزائر حوالي 550000 رجل أمن، للسيطرة على الوضع، فالجنرالات لا يفكرون في الشعوب كما يقول برتولد بريخت في إحدى مسرحياته ويضيف أنهم يعتقدون أن السلام يجب البلبلة وأن الحرب تنتج النظام.

كان لهذا الوضع المزمن نتائج كارثية على الجزائر، فقد شكل الجيش الجزائري جماعاته الإسلامية الخاصة مما عمق من حصيلة الحرب الأهلية التي خلفت أكثر من 150ألف قتيل. تجنيد قوى الأمن في تزايد، وكمثال كان عدد الدرك عام 1980 يبلغ 45ألف دركي وسيصل العدد إلى 200ألف مع نهاية هذا العقد. المثقفون والصحفيون يقتلون أو يجبرون على اختيار المنفى: العمل غير معترف به اجتماعيا واقتصاديا. كبار الموظفين يختارون تبعا للولاء والخضوع. الطلبة المتفوقون يفضلون الالتحاق بالمدارس العسكرية لأن الجيش يضمن لهم أجورا جيدة ومنافع وربما ثروة. الاقتصاد ريعي وغير منتج. البطالة 30% و60% بين الشباب.

البنيات التحتية تجاوزت عمرها الافتراضي. الحياة اليومية للجزائريين لا تتحسن رغم الإعلان عن زيادة الدخل الفردي بنسبة 30% خلال. السكن نادر. زبونية الجيش تعرقل مبادرات الخواص المحتشمة…

كيف الخروج من هذه الأزمة الاقتصادية؟

يجيب الشرقاوي نقلا عن ماكس فيبر:  

طالما أن المجال الاقتصادي لم يصبح فضاء نشاط مستقل، متناسق وفق منطقه الخاص، مغلق أمام التأثير السياسي والديني والعسكري، فإنه لن يستطيع أن يبلغ درجة العقلانية التي تميز الرأسمالية ص26. المطلوب إذن هو تبني اقتصاد مفتوح ليفرض عقلانيته على باقي المجالات، اقتصاد يقود إلى تحديث الجزائر، لأنه وحده العمل ينتج الثروة والسلام، وهذا مبني على مسلمة أن التجارة تغلب العداوة، وهذا حل ما زال بعيدا. الحل الثاني أشبه بحلم، إذ يتمنى العديد من الجزائريين حصول ثورة قرنفل، لكن لينين يقول “لا تقوم ثورة ضد الجيش”.

وعليه سيستمر الوضع القائم، الجيش يفضل العداوة على التجارة، الأنظمة الديمقراطية تفضل التجارة وتتجنب الصراعات المسلحة لأن الشعب يقرر، في نظام عسكري هناك احتمال أكبر للتوجه نحو الحرب لأن النخبة العسكرية لا تدفع الثمن بل تقبضه وهي تدخل في حروب أيديولوجية سيئة، ترفع شعار الثورة، تطالب بتقرير المصير في الصحراء لإضعاف المغرب، بينما رفضت استشارة الطوارق عام 1961.

إن هدف شعار تقرير المصير هو خلق دويلة تابعة في الصحراء لتخفيض كلفة نقل النفط إلى المحيط الأطلسي، وهذا ما سيتسبب في خلخلة توازن المنطقة، سيمكن الجزائر من مراقبة كل منطقة الساحل، ستصبح مسيطرة، وهذا سيهدد استقرار موريتانيا ومالي والنيجر وتشاد.

إذا ضعف المغرب، إذا بترت منه الصحراء وأصبحت حدوده الجنوبية مهددة، سيفقد قدرته الإستراتيجية على المساهمة في السلام والتوازن بالشرق الأوسط الكبير الذي يقوم على ثلاث دول أساسية باكستان في الشرق، السعودية في الوسط  والمغرب في الغرب. هذا التوازن والسلام ليس بديهيا، فإيران تتسلح وتسيطر في العراق ولبنان وستحاول التأثير في الخليج، تونس تقمع الإسلاميين، الجزائر يجلجل فيها الإرهاب والأصولية تشتغل في قاع المجتمع، ليبيا تتورط في قضايا مثل الممرضات البلغاريات، موريتانيا تعيش صراعا شديدا بين قوى التجديد والأصولية…
في هذا المشهد غير المستقر، يظهر المغرب كدولة حديثة مستقرة سياسيا منذ نهاية الثمانينات، الديمقراطية فيه محط توافق، المغرب حليف لدول الخليج، يحترم التزاماته الدولية، وضعه في الحلف الأطلسي يجعله حليفا موثوقا. لهذه الأسباب فإن مغربا مستقرا مصلحة دولية عليا، وأي حرب مع الجزائر ستحطم المنطقة، ووحدها النخبة العسكرية ستستفيد منه.

أزمة الدولة

هذا على مستوى أزمة علاقة الدول فيما بينها وتأثير ذلك على الأمن الخارجي، ينتقل الكاتب بعد ذلك لاستعراض الأزمات الداخلية للدول وتأثيرها على الأمن الداخلي.

لقد أصبحت جل الدول الإفريقية عاجزة تواجه معارضات مختلفة، ولم تعد قادرة على القيام بوظائفها في المجال الاقتصادي والسياسي والأمني. الأسباب مختلفة ومؤثرة، منها تقليص العولمة لبعض فضاءات السلطة التقليدية للدولة، فهي لم تعد تتحكم في سوقها وفي تدفق الاستثمارات، منها تراكم المطالب الاجتماعية، وكذلك بروز الفسيفساء العرقية وصعود صراع الهويات الإنثية والأصولية، ويتجلى ذلك في نزاعات الهوية التي تضع التقاليد في الواجهة لتحتج ضد التهميش الاقتصادي والسياسي لإثنيتها وتنتج نمذجات سلبية تحدد الذين لا ينتمون إليها وتنسب لهم سلوكات ونوايا عدوانية، إضافة إلى استخدام الإثنية كأصل تجاري سياسي ينتج التصويت الإثني (آخر نموذج كارثي يجري في كينيا)، هذا دون نسيان تصاعد المطالب الجهوية والأصولية الإسلامية وانتشار الإرهاب الذي يؤدي إلى فقدان الدولة للسيطرة على مجالها الترابي… ولا يتوقف خطر هذه المشاكل عند عرقلة بناء سياسات عمومية ناجعة، بل يمتد إلى خطر البلقنة والتهديد بانهيار الدولة كليا كما حصل في رواندا والصومال.

دفع هذا الوضع القوى الدولية، القلقة على أمنها وأمن الآخرين، إلى التدخل، وهكذا، ومنذ 1998، لم تعد الولايات المتحدة تعتبر المغرب العربي منطقة نفوذ أوروبي، وقد جاءت مبادرة إيزنستات لتأكيد هذا التوجه، باعتبار المنطقة موقعا استراتيجيا وسوقا مهما ينبغي التعاون معها، بعد 2001 شمل التعاون المجال الأمني أيضا، وقد اشتد هذا التعاون بعد تفجيرات الدار البيضاء ومدريد…

فزادت المساعدات الأمريكية لدول المغربي، توالت زيارات المسئولين الأمريكيين للمنطقة، نشأ تعاون عسكري وتكثف، بدأ المغرب يشارك في عمليات حلف الناتو بالمتوسط، تجمع أمريكا المعلومات وتقتسمها مع دول المنطقة، بل وقامت بعلميات في موريتانيا ومالي… كل ذلك بغرض محاربة الإرهاب وتهريب المخدرات والبشر، وهذه تهديدات تشمل أوروبا وأمريكا، لذا تقاربت النظرة الأوروبية والأمريكية للأمن رغم اختلاف الأساليب، وهذا التقارب مبني على نظرة مفادها أنه لا أمن داخلي دون أمن خارجي. وهذا تقارب ناتج عن الإرهاب أساسا، باعتباره خطرا استراتيجيا غير مرتبط ببلد معين، خطر تدعمه فئات اجتماعية بشكل سلبي على الأقل، وهو ليس تعبيرا عن احتجاج اجتماعي.
الثورة المغربية الصامتة

في هذا المحيط من القلاقل، حيث تغلي الأزمات تحت وفوق الرماد، يظهر المغرب كنموذج للاستقرار، فمنذ 1999 عرفت البلاد إصلاحات مهمة منها توسيع حرية الصحافة، إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، انطلاق جلسات الاستماع العمومية لضحايا سنوات الرصاص، سياسة ملكية اجتماعية جديدة ودمقرطة متنامية للحياة السياسية، تحرير الاقتصاد، خوصصة شركات الدولة، رأسمال أجنبي يزيد ثقته في المغرب ويعطي دروسا للبرجوازية المحلية الخائفة، مجتمع يتبنى قيم السوق وإن كان محافظا على مستوى القيم، يقدر العمل والمبادرة، يحتل المغرب المرتبة 59عالميا على صعيد الاستشهاد بالمقالات العلمية…

في إطار هذه الثورة المغربية الصامتة، يأتي اقتراح الحكم الذاتي في الصحراء، لدرء المخاطر وجلب المكاسب.
 

درء المخاطــر

من الصعب ومن الخطورة إنشاء دولة في الصحراء بسبب الطابع القبلي لسكان الصحراء، وهم رحل لم يلتزموا قط بحيز ترابي محدد، فقد كانوا يتنقلون من سوس شمالا إلى موريتانيا جنوبا، على مستوى نمط العيش، لاشيء يميزهم عن الساكنة الصحراوية في مالي والنيجر، فلماذا تحصر دويلة في اقتطاع جزء من المغرب؟ ثم أن هذا الطابع القبلي ينعكس على الصراعات داخل البوليساريو نفسه.

لا يمكن للحياة الصحراوية أن تكون مدينية، ولا يمكن إقامة دولة على 270 ألف كلم مربع ل75ألف نسمة، ستعجز عن مراقبة حدودها وستكون تابعة للخارج. ستكون دويلة ضعيفة وأرضية خصبة للجماعات الإرهابية والهجرة السرية، وهذا سيهدد الدول المجاورة بما فيها جزر الكناري. ثم إن استقلال الصحراء سينشر عدوى المطالبة بالانفصال في دول أخرى من شمال إفريقيا والساحل حتى السودان، وهكذا ستصبح إفريقيا مهددة ببلقنة ذات نتائج لا تخطر على البال.

الحكم الذاتي حل لتجنب هذه المخاطر، سيحترم القانون الدولي وسيخضع للواقعية السياسية ص61، بل سيحقق مكاسب أيضا.

جلب المكـاسب

الحكم الذاتي حل مقبول بدل الاستفتاء المتجاوز، وهو ضرورة للجميع ومخرج لأزمة البوليساريو، وسيصير نموذجا لمختلف المناطق المغربية التي تسير الآن وفق جهوية  إدارية، وهو بذلك سيعمق دمقرطة المجتمع المغربي. ويرى الكاتب أن انفصال الصحراء مبني على فرضية مفادها أن الساكنة الصحراوية هوية وكتلة مستقلة غير قابلة للاختراق. القسم الثاني من الكتاب يدحض هذه الأطروحة بالأدلة الدامغة، من جهة أولى على صعيد اهتمام الدولة بالأقاليم المسترجعة، ومن جهة ثانية على صعيد اندماج ساكنة الصحراء في باقي المجتمع المغربي.

على صعيد الاهتمام، اعتمدت الدولة المغربية على التمييز الإيجابي في مجال التعليم لتجاوز النقص الحاصل، وهكذا انخفضت الأمية بنسبة 20% بين 1984 و2004. نسبة التمدرس في الصحراء أعلى من المعدل الوطني، وقد عرف القطاع تطورا كبيرا، فبين 1977 و2006 انتقل عدد تلاميذ الابتدائي من 3061 تلميذ إلى 32273. وانتقل تلاميذ الثانوي من صفر إلى 16364تلميذ. انتقل عدد المدارس من 6 إلى 47 وعدد الإعداديات من صفر إلى 14 وعدد الثانويات من صفر إلى 8. وقد تضاعفت هيئة التدريس بالصحراء بين 1994 و 2004. مؤشر التنمية البشرية في الصحراء أعلى من نظيره في الرباط والدار البيضاء. نسبة الهشاشة الاجتماعية في وادي الذهب هي الأقل وطنيا… وعطفا على هذه الأرقام الساطعة، لا يمكن اعتبار احتجاجات الشباب الصحراوي رفضا للاندماج وللدولة، بل المطالبة علامة اعتراف بالدولة وبدورها في التشغيل…

على صعيد الاندماج، يتجاوز الكاتب الجانب الاقتصادي إلى الجانب الاجتماعي، يسجل أن المجتمع الصحراوي تقليدي وتنص التقاليد على الزواج من نفس القبيلة والفخذ والأفضل من بنت العم، ومع ذلك انخفض الزواج اللحمي (endogamie) في الصحراء من 95.6% إلى 50.5% للرجال ومن 92.1% إلى 53% بالنسبة للنساء بين 1947و2007، وقد توصل الباحث إلى هذا النتائج بعد فحصه ل 30000 عقد زواج بالصحراء المسترجعة بين 1947 و2007. ويبين الشرقاوي أن الانتقال من الزواج اللحمي، أي بين  أفراد من نفس القبيلة، إلى زواج مختلط، بين ساكنة الصحراء وباقي ساكنة المغرب علامة على الانتقال من تضامن اجتماعي ميكانيكي إلى تضامن تنظيمي وعلامة على تزايد اندماج الصحراويين في المجتمع المغربي، وهذا اختيار فردي حر للرجل والمرأة الصحراويين…

بناء على هذه الأرقام يخلص الشرقاوي إلى أن الصحراء جزء من المغرب، تأسيسا على الشرعية التاريخية، لأن للبيعة في الإسلام دلالة سياسية ودينية، وقد كانت قبائل الصحراء تجدد بيعتها لسلطان المغرب كل سنة (كان والد رئيس البوليساريو أحد المبايعين عام 1956).

وتأسيسا على الوشائج الاجتماعية، فساكنة الصحراء ليست هوية مستقلة بل جزء من مجتمع كبير تميزه خصوصيات كما في باقي المناطق، وعليه فإن الأمر لا يتعلق بمجتمعين وثقافتين غير متجانستين، بل بمجتمع واحد يضم تمايزات، وحتى إذا افترضنا العكس يقول الكاتب فإن السياسة النبيلة هي التي تحرص على تعايش ساكنة غير متجانسة…

بناء على هذا الاستدلال والجدل، وعن طريق استدعاء حجج الخصوم للرد عليها، قانونيا وسياسيا وواقعيا، يخلص الشرقاوي إلى أن بتر الصحراء سيكون كارثة جيوستراتيجية واجتماعية، وفشل  مشروع الحكم الذاتي سيقرع جرس الإنذار للثورة الصامتة التي يعرفها المغرب، سيراجع التزاماته الوطنية والدولية، وسيقودنا الفشل إلى مستقبل غامض، وحتى إلى فوضى في المنطقة.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

نستخدم ملفات الكوكيز لنسهل عليك استخدام موقعنا الإلكتروني ونكيف المحتوى والإعلانات وفقا لمتطلباتك واحتياجاتك الخاصة، لتوفير ميزات وسائل التواصل الاجتماعية ولتحليل حركة الزيارات لدينا...لمعرفة المزيد

موافق
error: المحتوى محمي !!