المرأة والقانون

المرأة والقانون
امراني علوي حافظ * 8 مارس 2022 - 8:18 ص

مقدمة:

تعتبر المرأة اللبنة الأساسية لبناء أسرة مستقرة فالمرأة تحتل مكانةً مهمة في المجتمع، فهي تلعب دورًا فعّالًا في تقدّمهِ ونجاحه هذا بالإضافة لدورها الأساسي في تربية أطفالها وصقل شخصياتهم وغرس المبادئ الإيجابيّة داخلهم ليكونوا أشخاصًا ناجحين في مجتمعهم، لهذا فإنّ الإسلام كرّم المرأة، ومنحها الكثير من الحقوق في الحياة فقد خلق الله سبحانه آدم عليه السلام ليكون خليفة في الأرض، وخلق منه زوجه حوَّاء، فجعلها ركنًا ركينًا في نجاح الخلافة على الأرض إذ بدونها لا تتحقق الخلافة ويكون عليها تربية النصف الآخر، فهي كل المجتمع ثم إن للمرأة في الإسلام حقَّ التملُّك والإجارة، والبيع والشراء، وسائر العقود، ولها حق التعلم والتعليم، بما لا يخالف دينها كل هذا يدفعنا اذا الى طرح الإشكالية التالية : ما موقف الإسلام من حقوق المرأة ؟ والى أي حد استطاع التشريع الوضعي معالجة حقوق المرأة؟

ولتحليل ومناقشة هذا الموضوع سنقوم بتقسيمه الى فقرتين:

الفقرة الأولى: حقوق المرأة في الإسلام

جاء الإسلام على أساس العدل بين الناس، ومن ذلك عدْل الدّين بين الرجال والنساء في مختلف مناحي الحياة. فكانت واجباتهم وحسابهم أمام الله تعالى بشكلٍ متساوي لا تمييز فيه. حيث قال الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُم أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ ما كانوا يَعْمَلُونَ)

وقد أكّد الرسول صلّى الله عليه وسلّم ذلك بقوله: (إنَّما هنَّ شقائقُ الرِّجالِ) ، والمقصود من الحديث السابق مساواة الرجل بالمرأة في الأحكام الشرعيّة أمام الله تعالى إلّا في أحكامٍ محدّدةٍ بسبب بعض الفوارق في طبيعة الذكر واختلافه عن الأنثى ومن بين الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة هو الحق في الحياة حيث ضمن الإسلام للمرأة الحياة، وجعله حقٌ ظاهر لا يمكن إنكاره ولا يجوز إلغاؤه، وانتقد عادات الجاهلية في قتل المرأة ودفنها، وعدّ ذلك من أعظم الذنوب، ووصفهم بقوله تعالى: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُون) وكان سبب الوأد هو خوفهم من العار والخطيئة.

ثم بعد ذلك يأتي حق المرأة بالتعلم في المرتبة الثانية لم يأتِ في الإسلام ما يمنع طلب العلم وتحصيله للنساء، بل على العكس تماماً طلبه من المسلمين وجعله فرضٌ عليهم، وحثَّ عليه دون تفريق بين المرأة أو الرجل، والدليل عليه قول عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ له به طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وَما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، ويتدارسون بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَه).

ويستفاد من هذا الحديث فضل طلب العلم وأجره الذي لا يقتصر على جنسٍ دون آخر إضافة الى حق المرأة بالعمل والكسب حيث أجاز الإسلام للمرأة العمل والسعي في طلب الرزق والكسب الحلال، وشرع لها حريّة الكسب الحلال سواءً أكانت تجارةً أم غير ذلك من طرق كسب الأموال، وأباح لها العمل وفق ضوابط شرعية معينة، وهذه الشروط أو الضوابط هي: ألا يترتب على هذا العمل محظور شرعي و أن لا تختلي بالرجال الأجانب عنها مع مراعاة اللباس الشرعي الخاص بالمرأة .

وقد أعطى الإسلام للمرأة عدداً من الحقوق المالية، وحرّم على أيّ أحد سواءً أكان زوجها أو والدها أن يجبرها على الإنفاق في حاجةٍ معيّنة أو منعها من الإنفاق في حاجةٍ كهديّةٍ أو بيعٍ أو غير ذلك ومن هذه الحقوق على سبيل المثال: حقّها في النفقة والمسكن، فهذه الحقوق تنتقل من الأب إلى الزوج بمجرد عقد الزواج الصحيح، فقد فقال الله تعالى في كتابه العزيز: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).

ومن هذه الحقوق أيضاً نذكر حق النفقة حيث جعل الإسلام النفقة على المرأة واجباً على وليّها، وتكون النفقة واجبة على الزوج بمجرد انعقاد عقد الزواج الصحيح، حتَّى وإن لم تنتقل إلى بيت الزوج فالنفقة حقٌ لها وواجب في ذمة الزوج، وفي حال كانت تعيش عند والدها وغير متزوجة، فتجب لها النفقة في ذمّته ، ثم بعد ذلك يأتي حق المهر فقد جعل الإسلام للمرأة الحق في طلب المهر مِمَّن يريد الزواج بها، لتفادي وقوع ظُلمٍ محتمل عليها من هذا الزوج الذي أعطاه الله حق الطلاق، فأعطاها الحق بأخذ مبلغ من المال يسجّل في العقد كحق للمرأة في ذمة الزوج، وليمنعه من استرداده وظلمها، ودليل هذا الحق قول الله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) .

إضافة الى حق الميراث جعل الإسلام للمرأة حق الميراث ممَّن تستطيع أن ترث منهم، بناءً على درجة القرابة وترتيبها بين باقي القرابات ، سواء كانت ابنة أو زوجة أو حفيدة وغير ذلك، أما الدليل على أنَّ للمرأة الحق في الميراث فهو قول الله تعالى: (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) .

فقد بيّنت هذه الآية أنَّ للمرأة حقّ الميراث كما هو حقٌ للرجل ومن الحقوق الاجتماعية للمرأة في الإسلام كفل الإسلام للمرأة حقوقها وعرّفها إيّاها، منها ضَمِن الإسلام للمرأة إشباع غريزتها بالزواج إذا طلبت ذلك، وعدم منعها من ذلك إذا كانت قادرةً على أداء واجباتها كما هو مطلوب منها وقد شرع الإسلام للزّوجة أن تفسخ عقد زواجها من زوجها إذا لم يستطع أداء حقوقها أو تسبّب في أضرارٍ لها وأرادت الانفصال عنه، جعل الإسلام للأرامل والعجائز من النساء حقّاً في بيت مال المُسلمين.

فيُنفق عليهنّ منه ولا يُتركن يتكفّفن الناس وينتظرن الصدقات كما ضَمِن الإسلام للمرأة حقّها في اختيار الزوج الذي ترتضيه لها ولا يجوز لأحدٍ إجبارها على الزواج من رجلٍ لا ترغب بالارتباط به، وفي حال أجبر الوليّ الفتاة البِكْر أو الثيّب أن تتزوج من رجلٍ لا تريده، فلها أن تفسخ العقد ويتحمّل الوليّ تكاليف الفسخ وقد صان الإسلام كرامة المرأة وهيبتها في نفوس من حولها ، وقد شرّع لذلك المُباعدة بين الرجال والنساء في كلّ شيء وحتى في أداء العِبادات، حيث قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (خيرُ صفوفِ الرجالِ أولُها، وشرُّها آخرُها، وخيرُ صفوفِ النساءِ آخرُها، وشرُّها أولُها) ، وذلك توجيهاً من الإسلام للمباعدة بين صفوف الرجال والنساء خلال الصلاة وقد راعى الإسلام ظروف المرأة الخاصّة حيث إنّه خفّف عنها بعض التكاليف كالنّفقة، وأسقط عنها بعض الفرائض بشكلٍ مؤقتٍ فترة الحيض والنفاس، كالصّلاة والصيام.

ثم يأتي حق المساواة في المرتبة ما قبل الأخيرة وهو حق أصلي ثابت، فجميع النفوس البشرية عند الله تستوي بالأصل الواحد، والذي لا يكون فيه تفريق بين الذكر أو الأنثى، ووجودهم في هذه الحياة إنما هو تنوع ضروري تقتضيه الطبيعة البشرية لكي تتمكن من الاستمرار في العيش في هذه الحياة، فقد ذكر عز وجل في كتابه العزيز: (يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءَ) .

كما منح الاسلام حق المشاركة السياسية في كل أنواعها سواء الاجتماعية أو السياسية مسؤوليةً مشتركة بين الجنسين الذكر والأنثى، قال الله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) .

وقد ذهب القانون الوضعي هو الأخر على نهج الشريعة الإسلامية ومنح للمرأة مجموعة من الحقوق سنتطرق اليها في الفقرة الثانية.

الفقرة الثانية: حقوق المرأة في التشريع الوضعي

شهد القرن العشرين تطورات لافتة على صعيد حقوق المرأة وقد جرى اعتبار الدفاع عن المرأة والمطالبة بحقوقها، سبباً رئيسياً في اعتبار كثير من التحولات التي شهدتها بعض المجتمعات الإنسانية، فهي تحولات ذات طبيعة حاسمة وذلك على غرار الثورة الفرنسية سنة (1789) حتى وإن كانت لم تقدم بداية حقوقً واقعية للمرأة ويجري اعتبار الثورة الفرنسية حدثاً تاريخياً كبيراً لجهة وضع أسس لحقوق الإنسان فقد وضعت الثورة إعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي نص على أن الأمة هي مصدر كل سلطة وعلى المساواة أمام القانون، وعلى الحق في الوظائف والرتب حسب الكفاءة كما نص على الحق في الملكية والأمن ومقاومة الظلم والاستبداد وعلى ضمان الحريات العامة.

وقد وجدت المرأة اهتماما متزايدا من طرف القوانين الوضعية في القرن المنصرم حيث تحصلت على حقوق عديدة في مجال العمل الوظيفي والعمل والمشاركة السياسية ترشيحا وانتخابا والقانون الوضعي هو الأخر سار على نهج الشريعة الإسلامية ومنح للمرأة مجموعة من الحقوق كما نجد أيضا أن ميثاق الأمم المتحدة أكد في العديد من المناسبات على تساوي الرجل والمرأة في الحقوق هذا الى جانب العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الانسان الذي نصا على ضرورة ضمان مساواة الرجل والمرأة في الحقوق وتعتبر اتفاقية سيداو بمثابة العمود الفقري الذي نص على في العديد من المحطات على القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

بحيث نجد في المادة الثانية من هذه الاتفاقية تنص على فرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل. كما نصت المادة التاسعة من الاتفاقية السالف ذكرها على أن الدول الأطراف تمنح للمرأة حقوقا مساوية لحقوق الرجل في اكتساب جنسيتها أو تغييرها أو الاحتفاظ بها. وتضمن بوجه خاص و ألا يترتب على الزوج من أجنبي أو على تغيير الزوج لجنسيته أثناء الزواج أن تتغير تلقائيا جنسية الزوجة أو أن تصبح بلا جنسية. أو أن تفرض عليها جنسية الزوج هذا الى جانب مجموعة من الحقوق ندكر منها الحق في العمل باعتبارها حق دستوريا. والحق في الصحة والحق في الضمان الاجتماعي .

وفي قانون الأسرة المغربي نجد المشرع قد منح للمرأة مجموعة من الحقوق من بينها حق الولاية. بحيث يحق للمرأة عند بلوغها سن الرشد القانوني الذي هو 18 سنة شمسية كاملة أن تتزوج بذون موافقة والديها. كما منح المشرع أيضا للمرأة حق تدبير أموالها بنفسها وذلك في سياق ما يعرف في قانون الأسرة بتدبير الأموال المكتسبة بين الزوجين. كما نص المشرع أيضا على حق المرأة في الحضانة أي حضانة الطفل في سنواته الأولى. إضافة الى حق المرأة في طلب الطلاق عن طريق القاضي اذا ما تضررت من الزواج. إضافة الى حق المرأة في النفقة اذا طلقها زوجها وحقها في الإرث اذا توفي. كل هذا يدل دلالة قاطعة على أن التشريع الوضعي منح المرأة مكانة خاصة بحيث منح لها مجموعة من الحقوق مثلها مثل سائر الرجال .

خاتمة:

نستنتج مما سبق ذكره على أن الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي أولوا اهتماما كبيرا بالمرأة عن طريق منحها مجموعة من الحقوق. مثلها مثل سائر الذكور لكن هذا لا يكفي وانما يجب مضاعفة الجهود من أجل منح المرأة المرتبة الأولى في الحقوق. فهي الأم والزوجة والأخت والأستاذة التي تستحق منا كل الاحترام والتقدير.

لائحة المراجع

*القرآن الكريم:
– النحل الأية: 97.
– النحل الأية: 58.
– البقرة الأية :233.
– النساء الأية :4.
– نفس السورة الأية: 7.
– النساء الأية : 1 .
– التوبة الأية : 71 .

*مواقع الكترونية:
– مقال منشور في الموقع الالكتروني: wordpress.com www.حق المرأة بين الشريعة والقانون الوضعي – مدونة الروائي والإعلامي نافذ أبو حسنة، تم الاطلاع عليه على الساعة 00.08، يوم 16/02/2022 .
-حديث رواه صحيح مسلم ، منشور في الموقع الالكتروني : www. Islamweb . Net تم الاطلاع عليه يوم 17/02/2022 على الساعة : 23.09 .

-حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدرامي وأحمد منشور في الموقع الالكتروني : islamic-content . com. تم الاطلاع عليه يوم 17/02/2022 على الساعة 22.57 .
-مقال منشور في الموقع الالكتروني: mawdoo3.com ، حول حقوق المرأة قي الإسلام، تم الاطلاع عليه يوم 17/02/2022، على الساعة 15.15.

-اتفاقية سيداو ، منشورة في الموقع الالكتروني : www .ohchr.org ،تم الاطلاع عليها يوم 17/02/2022 ، على الساعة : 15.47 .

*ظهير شريف
ظهير شريف رقم 1.04.22 ، صادر في 12 من ذي الحجة 1424 (3 فبراير 2004 ). بتنفيذ القانون رقم 70.03 بمثابة مدونة الأسرة .

 

* إعداد امراني علوي حافظ باحث في القانون الخاص خريج الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية حاصل على شهادة الإجازة الأساسية في القانون الخاص سنة 2019 من الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية وحاصل على دبلوم الدراسات الجامعية سنة 2018 من الكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية كما حصلت على شهادة نجاح في اللغة الانجليزية من جامعة إدراك الأردنية في إطار التعليم عن بعد خلال جائحة كورونا سنة 2020 كما حصلت على شهادة نجاح في المحاسبة والإدارة المالية من جامعة إدراك الأردنية سنة 2020 حاصل على مجموعة من شواهد النشر من طرف مجموعة من المجلات المحكمة سنة 2021 و سنة 2022 من بينها مجلة ريحان التابعة لمركز فكر للأبحاث ومجلة قانونك ومجلة منازعات الأعمال الدولية

alaouihafid130@gmail.com

مشاركة فيسبوك تويتر واتساب
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .